محمد متولي الشعراوي
1819
تفسير الشعراوى
عن أمر الرسول فحدث لكم ما حدث . إذن فالمسألة مبسوطة أمامكم بالتجربة الواقعية ، ليس بالكلام النظري وليس بالآيات فقط ، بل بالواقع . أو أن الأمر كله دائر في أحد ، نقول فرضا : هو يدور في أحد ودع بدرا هذه ، حينما دخلتم أيها المسلمون أول الأمر انتصرتم أم لم تنتصروا ؟ لقد انتصرتم ، وطلحة بن أبي طلحة الذي كان يحمل الراية للكفر قتل هو وبضعة وعشرون ، الراية الكافرة قد سقطت في أول المعركة ، وحامل الراية يقتل وهذا ما وضحه قوله تعالى : « وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ » فجماعة تقول : لنبق في أرض المعركة ، وجماعة تقول : ننسحب . ورأيتم الغنائم فحدث منكم كذا وكذا . فتأتي النكسة ، ولو لم يحدث ما حدث لكان من حقكم أن تتشككوا في هذا الدين ، إذن فما حدث دليل على صدق هذا الدين ، وأنكم إن تخليتم عن منهج من مناهج اللّه فلابد أن يكون مالكم الفشل والخيبة والهزيمة . « حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ » ، فجماعة قالوا : نظل كما أمرنا الرسول ، وجماعة قالوا : نذهب إلى الغنائم « مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ » . . ومادمتم قد تنازعتم وقالت جماعة : لنتمسك بمواقعنا ، وقالت جماعة أخرى : لنذهب إلى الغنائم ، إذن فالذي أراد مواصلة القتال إنما يريد الآخرة ولم تلهه الغنائم ، والقسم الذي أراد الدنيا قال : لنذهب إلى الغنائم . وفي هذه المسألة قال ابن مسعود رضى اللّه عنه : واللّه ما كنت أعلم أن أحدا من صحابة رسول اللّه يريد الدنيا حتى نزل فينا ما نزل يوم أحد . أي أنه لم يكن يتصور أن من بين الصحابة من يريد الدنيا ، بل كان يظن أنهم جميعا يريدون الآخرة ، فلما نزل قول اللّه : « مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ » عرف ابن مسعود أن من الصحابة من تتقلب به الأغيار . وذلك لا يقدح فيهم ؛ لأنهم رأوا النصر ، فظنوا أن المسألة انتهت ؛ لقد سقطت راية الكفر ، وقتل المؤمنون عددا من صناديد قريش . ولقد عفا اللّه عن المؤمنين وغفر لهم ما بدر منهم من مخالفة لأمر رسوله - صلّى اللّه عليه وسلّم - .